ابن عربي
36
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
معلما . فكل رسول معلم وما كل معلم رسول - الوجه الثاني - لما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعث رحمة ، ورأى الكثير لم تصبه هذه الرحمة ، وأن علة ذلك إنما كان تأويلهم بالوجهين من التشبيه ، أو البعد عن مدلول اللفظ بالكلية ، تحيّر في التبليغ ، وتوقف حتى يرى هل يوجب ذلك عليه ربه أم لا ! فأنزل اللّه تعالى « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » فعلم الرسول أن المراد منه التبليغ لا غير ، فبلّغ صلّى اللّه عليه وسلم وما أخفى مما أمر بتبليغه شيئا أصلا ، فإنه معصوم محفوظ قطعا في التبليغ عن ربه ما أمر بتبليغه ، وما خصّ به فهو على ما يقتضيه نظره . فوظيفة الرسل والورثة من العلماء إنما هو التبليغ بالبيان والإفصاح لا غير ، وجزاؤهم جزاء من أعطى ووهب ، وذلك بالنصيحة والتبليغ ، ليس بيده من الأمر غير هذا فلما بلّغ قيل له : « ما عليك إلا البلاغ » « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ » « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » فإن ذلك خاص باللّه تعالى « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » . فإن حقيقة الرسالة إبلاغ كلام من متكلم إلى سامع ، وهو علم يوصله إلى المرسل إليه . فأوجب عليه البلاغ « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يعرف بعصمته من الناس إذا نزل منزلا يقول من يحرسنا الليلة ؟ مع كونه يعلم أن اللّه على كل شيء حفيظ ، ولا يعلم حافظا سواه ، ويعلم بأن المقدور كائن ، والحارس ليس بمانع ما قدر ولا صائن ، لكن طلب المعبود بذل المجهود وهو يفعل ما يشاء وهذا من الأمور التي شاء ، فإن اللّه مع الأنبياء بتأييد الدعوى ، لا بالحفظ والعصمة ، إلا إن أخبر بذلك في حق نبي معين فإن اللّه قد عرفنا أن الأنبياء قتلتهم أممهم وما عصموا ولا حفظوا ، فلما نزلت « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » أقام العصمة مقام الحرس ، ولم يجنح إلى العسس . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )